أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
303
نثر الدر في المحاضرات
تحصل لكم الباقية فتكونوا كما قال اللّه : « لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت » واعتبروا بهذا المعزول عنكم ، كيف سعى وجمع فصار ذلك كله إليّ ، على رغم من أنفه ، وصار كما قال اللّه في محكم كتابه : [ الرجز ] أنعمي أمّ خالد * ربّ ساع لقاعد أتى أعرابيّ برقاقة فتأملها ثم قال : لقد سحقك الدهر . قدّم إلى أعرابي كامخ فقال : ما هذا ؟ قيل : كامخ . فقال : من كمخ به ؟ وذلك أنهم يقولون : كمخت البقرة إذا ثلطت . واجتمع اثنان منهم على كامخ فقال أحدهما : خيرا ورب الكعبة ، وذاقه الآخر فاستطابه فقال : أحسبه خبز الأمير . دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك وبين يديه فالوذج فقال : ما هذا يا أمير المؤمنين ، قال : هذا شيء من أكله مات ، قال : أفلا أذوقه ! قال : ذقه ، فذاقه وشمّر عن ساعده ، وجعل يأكل ويقول : أوصيكم بعيالي خيرا . مرّ أعرابي بقرص سفود « 1 » وقد سقط من بعض الحاج فأخذه فلما نظر إلى وسطه رمى به وقال : من سلح عليك ؟ لا حيّاك اللّه . قال الأصمعي : سمع أعرابيّ واحدا يقرأ : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( 104 ) [ الكهف : 103 - 104 ] فقال : وأبيك ، إني لأعرف هؤلاء القوم بنعتهم فقيل له : ومن هم ؟ قال : الذين يثردون ويأكل غيرهم . قدّم أعرابي رجلا إلى القاضي واستعدى عليه ، وتقدّم شاهدان فقالا : نشهد أنه قد ظلم الأعرابي ، فقال الأعرابي : كذبا ، ما ظلمني ولكنه لوى حقّي . نظر بعض الأمراء إلى أعرابيّ - كان قائما بين يديه - نظرا شديدا ، فقال الأعرابيّ : لقد همّ الأمير لي بخير ؟ قال : لا ، قال : فبشرّ ! قال : لا ، قال :
--> ( 1 ) السفود : حديدة يشوى بها ، وتسفيد اللحم : نظمه فيها للاشتواء . وقيل : السفود : الأسياخ التي يشوى عليها اللحم المعروف في مصر بالكباب .